qodsna.ir qodsna.ir

دوافع السيّد الأمين في
نصرة غزة وفلسطين!

أحمد عبدالرحمن

لا يمكن إنكار حقيقة أنّ ما تعرّض له قطاع غزة من حرب إبادة جماعية مجرمة قد وضع الجميع عرباً ومسلمين، مؤسسات وحكومات، شعوباً وأفراداً، أمام اختبار صعب وتاريخيّ، لم يتعلّق فقط بحجم المساندة والدعم المالي والسياسي، وإنما بحجم التضامن والتعاطف الإنساني الذي بات عملة نادرة في هذا العالم العاجز والظالم.

 

يمكن ملاحظة حجم الخذلان الذي تعرّضت له غزة الصغيرة والمدمّرة في كلّ نواحي الحياة فيها، في عدد الشهداء والجرحى، في حجم الدمار الهائل وغير المسبوق، في الجوع والعطش الذي عانى منه السكان وما زالوا، في الحصار المطبق الذي حرم المواطنين من معظم مستلزمات حياتهم البسيطة والمتواضعة، وفي التجبّر والصلف والعنجهية التي وصل إليها عدوّهم المارق، والذي لم يعد يُلقي بالاً للملايين من أبناء الأمة العربية والإسلامية التي كانت في يوم ما عظيمة الشأن ومُهابة الجانب.

بموازاة الخذلان والتخلّي وإدارة الظهر، فقد أظهرت الحرب العدوانية على غزة نماذج مضيئة ضربت أروع الأمثال في الدفاع عن المستضعفين، وفي الذود عنهم رغم قلة الإمكانيات، والخلل في القدرات، كان على رأسهم وفي المقدّمة منهم محور المقاومة والممانعة في المنطقة، والذي كان على الدوام داعماً ومسانداً لقضايا المظلومين في كلّ أرجاء العالم ،إلا أنه لم يأخذ نصيبه من الإشادة والتقدير لأسباب عديدة، كان من أهمها الحسابات السياسية الضيّقة، والانتماءات الطائفية والحزبية المقيتة، والتي رآها بعض المخدوعين والمغيّبين بأنها أكثر أهمية من مساندة الكثير من قضايا الأمة المُحقّة والمشروعة.

في القلب من محور المقاومة وقف سماحة السيد الشهيد حسن نصر الله رضوان الله عليه، والذي كان على الدوام رفقة إخوانه في حزب الله خير سند للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني المظلوم، ومن أكبر المساندين والمتعاطفين والداعمين لهما ولو على حساب حزبه أو طائفته، والتي ما زال البعض يشكّك في إخلاصها، ويلمز مع سابق إصرار وترصّد بتضحياتها وعطائها.

بعد "طوفان الأقصى" وقبلها كان سماحة السيد في قلب المشهد الفلسطيني كما كان في قلب مشاهد أخرى في المنطقة والعالم، ناصحاً وداعماً ومؤيّداً، بل ومشاركاً بحسب متطلّبات الموقف، وضرورات المرحلة، وصولاً إلى تقديم كلّ ما يلزم من أثمان، ودفع كلّ ما يُطلب من تكاليف، بل وتحمّل كلّ التبعات التي كان هو وحزبه بل وبلده في أمسّ الحاجة للابتعاد عنها، غير أنّ إخلاصه لمبادئه، ووفاءه بتعهّداته جعلته يقف على الدوام في المكان المناسب، ويتحرّك أيضاً في التوقيت المناسب.

لم يكن موقف السيد الشهيد من فلسطين عموماً وغزة خصوصاً ارتجالياً أو عشوائياً، ولم يكن كذلك عاطفياً رغم ما كان يحمله تجاههما من عاطفة جيّاشة، ولا وقتياً رغم ما كان للوقت من أهمية وتأثير على اتخاذ القرارات عند سماحته، بل كان عبارة عن التزام بمجموعة مبادئ لطالما نادى بها، ودعا إليها، وهي مبادئ أخلاقية في أساسها، إلا أنها تتوسّع لتدمج إلى جانبها المسارات السياسية، والمصالح الوطنية، إضافة وهو الأهمّ إلى خدمة مشروع المقاومة في المنطقة والعالم، والذي وُجد لنصرة الإنسانية جمعاء بعيداً عن اللون والعرق والطائفة، ورفض الظلم والتصدّي له بغضّ النظر عن فاعله، أو الجهة التي تقف خلفه.

في العديد من الدراسات والتحليلات تمّ حصر دور حزب الله كفاعل ميداني مهم، وقائده سماحة السيد الشهيد في مرحلة ما بعد "الطوفان" فقط، والتي أطلق فيها السيد جبهة الإسناد في اليوم الثاني من العدوان على غزة، وفي هذا للأسف ظلم كبير، وانتقاص واضح من دور الحزب وقيادته خلال السنوات التي سبقت انطلاق المعركة، بل وفي كثير من محطّات الصراع مع العدو الصهيوني، سواء داخل فلسطين، أو في ساحات أخرى.

 بعيداً من الكثير من التفاصيل التي بات يعرف بعضها الخاصة والعامة، والتي أسهمت في إنجازات تمّت ترجمتها في العديد من الساحات، وظهرت آثارها في ميادين شتّى، فإنه يمكن لنا رؤية مجموعة من الدوافع التي تقف وراء الموقف المتقدّم الذي كان يتبنّاه سماحة السيد الشهيد من فلسطين عموماً وقطاع غزة خصوصاً، وهي دوافع تحمل في طيّاتها رسائل أخلاقية وإنسانية نبيلة، إلى جانب شمولها على عدّة مفردات تحثّ على الخير، وتدعو إلى المحبة، وتدفع باتجاه أن تعمّ الطمأنينة والسلام لدى كلّ شعوب العالم.

من أهمّ الدوافع التي شكّلت موقف السيد نصر الله من فلسطين وغزة كان الدافع الإنساني، والذي وإن انسحب على الكثير من القضايا الأخرى التي اهتم بها سماحته، إلا أنه كان أكثر وضوحاً عندما تعلّق الأمر بالشعب الفلسطيني، ولا سيّما بعد بداية العدوان الظالم أواخر العام 2023.  

في كثير من خطابات سماحته يمكن ملاحظة البعد الإنساني واضحاً وجليّاً، سواء عندما كان الأمر يتعلّق بما يحدث في فلسطين وغزة، أو في ساحات أخرى حازت هي الأخرى على اهتمامه ومتابعته.

لقد كان يرى سماحة السيد أنّ القتل والتهجير والحصار وباقي أشكال العدوان الإسرائيلي ضدّ الشعب الفلسطيني هي ممارسات ضدّ الإنسانية جمعاء، وهي تتعارض مع أدنى المبادئ الأخلاقية التي حثّت عليها جميع الأديان السماوية، وتمّت الإشارة إليها في كلّ القوانين والمعاهدات الدولية والأممية التي دعت إلى احترام حقوق الإنسان بغضّ النظر عن ديانته أو جنسيته أو لونه أو عرقه.

 وبالتالي وجد سماحة السيد الشهيد أنّ نصرة الشعب الفلسطيني في مواجهة الظلم والقتل والإجرام واجب إنساني قبل أيّ شيء آخر، أنّ القيام بهذا الواجب يجب ألّا يرتبط بحجم الإمكانيات، أو القدرة على التغيير، وإنما هو خيار إلزامي يرفع عن كاهل فاعله المسؤولية الأخلاقية التي يجب على الجميع تحمّلها من دون النظر إلى النتائج.  

دافع آخر ساهم في تشكيل موقف السيد الشهيد من فلسطين وغزة كان الدافع الديني، وهو دافع مهمّ ورئيسي ويكاد يتجاوز في التأثير والفاعلية ما سواه من دوافع.

يمكن اعتبار الدافع الديني المحرّك الأساسي للتضامن والتفاعل مع قضايا المظلومين في كلّ أنحاء العالم، فكيف إذا تعلّق الأمر بالقضية الفلسطينية، وهي القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية، وفي المقدّمة منها محور المقاومة والممانعة، والذي يعتمد على التعاليم الدينية في وضع مبادئه الأساسية، وكذلك في اختيار ساحات تحرّكه وأداوت فعله. 

بالنسبة لسماحة السيد رضوان الله عليه وهو الشخصية الدينية الإسلامية الرفيعة، فقد كانت نصرة فلسطين وغزة ترجمة لامتثاله لتعاليم الدين، وهو الدين الذي دعا إلى التصدّي للظلم، ونصرة المظلوم، حتى لو كلّف ذلك التضحية بالنفس والمال.

الدافع السياسي هو الآخر كان له دور في تشكيل موقف السيد الشهيد من فلسطين، إذ اعتبر سماحته أنّ امتهان الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، واحتلال أرضه، وتهجير عدد كبير من سكانه هو مصادرة لحقّ هذا الشعب في العيش بكرامة وحرية كما كلّ شعوب العالم، وإنّ كلّ أشكال العدوان التي يرتكبها العدو الصهيوني بحقّه هي اعتداء على هذه الحقوق التي نصّت عليها المواثيق الدولية، والتي منحت كلّ شعوب العالم الحقّ في تقرير مصيرها، واختيار نظام حكمها، بعيداً عن التدخّلات والإملاءات الخارجية.  

في هذا الخصوص دأب السيد إلى الدعوة لنيل الشعب الفلسطيني لحقوقه السياسية كاملة غير منقوصة، وإلى مساندة ودعم هذا الحقّ بكلّ الوسائل الممكنة في جميع المؤسسات الأممية، والهيئات الدولية.

على كلّ حال ،هناك الكثير من الدوافع الأخرى التي لا يتّسع المجال لذكرها والتي جعلت سماحة السيد حسن نصر الله رضوان الله عليه يقف على رأس قائمة المتضامنين والمتعاطفين مع الشعب الفلسطيني المظلوم، وهو تضامن لم يكتفِ بالشعارات والخطابات فقط، وإنما اشتمل على كلّ أنواع الدعم والإسناد، بدأها مبكراً منذ ريعان شبابه، وحافظ عليها خلال قيادته لحزب الله، وختم بها حياته التي لم تشهد في يوم من الأيام تراجعاً أو نكوصاً، أو تخلّياً عن المبادئ والثوابت، هذه الثوابت التي وضعته من دون منازع في صدارة من قدّموا لفلسطين، ولا سيما غزة، وضحّوا ليس بالوقت والمال والجهد فقط، وإنما بالنفس أيضاً.

في الذكرى الثانية لاستشهاد سيد شهداء المقاومة، وفي ذكرى عروج قمرها المنير، وبدرها الساطع، نحن على تمام الثقة رغم حلكة الليل، واشتداد الظلمة، أنّ الفجر مقبل، وأنّ اليسر يكاد أن يتغلّب على سنين العسر، وأنّ المشروع الذي بُذلت من أجله الدماء والأشلاء، وقُدّمت من أجله التضحيات الجسام، بات على بعد خطوات قليلة من الظهور على ما سواه من مشاريع، حتى لو كانت مشاريع تقف من خلفها كلّ قوى الشرّ والإجرام في العالم، "ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً".


| رمز الموضوع: 421472