qodsna.ir qodsna.ir

وضع فلسطين بعد العدوان
ضد إيران

ناصر أبوشريف

وكالة القدس للأنباء (قدسنا) خاص- ناصر أبوشريف*: وضع فلسطين بعد العدوان على إيران – تضعيف الكيان الصهيوني وبارقة أمل

 

استناداً إلى آخر التقارير الدولية والميدانية | 18 أبريل 2026

 

خلاصة تنفيذية

 

يشكّل العدوان الذي شنته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران في الفترة من 28 فبراير حتى 8 أبريل 2026، نقطة تحول استراتيجي في المنطقة. وعلى الرغم من أن كل الأنظار كانت تتجه نحو طهران، إلا أن تداعيات هذا العدوان أثرت على القضية الفلسطينية على ثلاثة مستويات:

 

على مستوى الكيان الصهيوني: خرج هذا الكيان من العدوان أضعف من الناحية العسكرية والاقتصادية والمعنوية، وهذا الوضع يمكن أن يخلق مساحة أكثر ملاءمة للمقاومة الفلسطينية.

 

على مستوى الأراضي المحتلة: بسبب تسارع وتيرة الاستيطان والتهجير القسري، تضاعفت معاناة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، لكن المقاومة لا تزال صامدة.

 

على مستوى دور إيران: إيران التي تتصدر قائمة الدول الداعمة لفلسطين، أثبتت أن صمودها في وجه العدوان يعني صمود جبهة المقاومة بأكملها؛ وهذا الأمر يضع الدول العربية أمام مسؤوليتها التاريخية.

 

يقدم هذا التقرير صورة ميدانية دقيقة للأوضاع ويحلل كيف يمكن لتضعيف الكيان الصهيوني على المدى الطويل أن يحسن وضع الفلسطينيين.

 

القسم الأول: قطاع غزة – واقع مرير ومقاومة صامدة

 

1. الوضع الإنساني: كارثة مستمرة

 

بعد ستة أشهر من انتهاء آخر عدوان على غزة (أكتوبر 2025)، لا يزال الوضع الإنساني في هذا القطاع توصفه جميع المنظمات الدولية بأنه "كارثي". تُظهر الإحصائيات الموثقة حتى منتصف أبريل 2026 صورة قاتمة:

 

الفقر والبطالة: أكثر من 90% من سكان غزة يعيشون تحت خط الفقر، وارتفعت نسبة البطالة إلى 78% (كانت 45% قبل العدوان على غزة).

 

فقدان الوظائف: أكثر من 250 ألف شخص فقدوا وظائفهم بشكل دائم.

 

المساعدات: لم يتجاوز إجمالي عدد الشاحنات الواردة خلال ستة أشهر 40 ألف شاحنة، وهو ما يمثل 35% فقط من الكميات المتفق عليها في اتفاق وقف إطلاق النار.

 

2. تأثير العدوان على إيران على غزة

 

مع بدء العدوان على إيران في 28 فبراير 2026، ازدادت معاناة غزة بشكل ملحوظ:

 

انخفاض المساعدات: في الأسبوعين الأولين من العدوان، انخفض عدد الشاحنات الداخلة إلى غزة بنسبة 80%.

 

ارتفاع الأسعار: ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل حاد، وتوقفت عمليات الإجلاء الطبي للمرضى والجرحى.

 

استمرار انتهاكات وقف إطلاق النار: على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار، تظهر الإحصائيات أنه بين 8 و15 أبريل 2026 فقط، قُتل 29 فلسطينياً وأصيب 105 آخرون. ليرتفع إجمالي عدد الضحايا منذ بدء الهدنة إلى 765 قتيلاً و2,140 جريحاً.

 

3. المقاومة: صامدة رغم الحصار

 

على الرغم من كل الضغوط، لا تزال المقاومة الفلسطينية (كتائب القسام وفصائل المقاومة الأخرى) مسيطرة على الأوضاع في غزة. لم يتمكن الكيان الصهيوني من فرض شرط نزع سلاح المقاومة. تجري حالياً مفاوضات في القاهرة بوساطة مصرية، لكن الخلافات الجوهرية لا تزال قائمة:

 

الكيان الصهيوني يقول: أولاً نزع السلاح، ثم الانسحاب.

 

حماس تقول: أولاً الانسحاب، ثم مناقشة مسألة السلاح.

 

هذا الجمود، رغم قسوته على الناس، يعني أن المقاومة لم تستسلم وأن سلاحها لا يزال موجهاً نحو المحتلين. في هذا السياق، يلعب الدعم الإيراني للمقاومة دوراً أساسياً في تعزيزها. فإيران، على الرغم من تعرضها لعدوان مباشر، تواصل دعمها المالي والعسكري للمقاومة الفلسطينية وتؤكد أن فلسطين كانت وستظل قضيتها المركزية.

 

4. إعادة الإعمار: وعود بلا تنفيذ

 

توقف مشروع "مجلس السلام" الذي أطلقه ترامب لجمع تبرعات إعادة إعمار غزة (جمع حتى الآن 7 مليارات دولار) عملياً مع بدء العدوان على إيران. يضع الكيان الصهيوني شروطاً صعبة لبدء إعادة الإعمار، أهمها نزع سلاح المقاومة، وهو شرط ترفضه فصائل المقاومة. ونتيجة لذلك، لم يبدأ أي مشروع إعمار عملي على الأرض، ولا يزال سكان غزة يعيشون في الخيام والمنازل المدمرة مع اقتراب فصل الصيف.

 

القسم الثاني: الضفة الغربية – تسارع الاستيطان والتهجير

 

بينما كانت الأنظار شاخصة نحو العدوان على إيران، تسارعت إجراءات الكيان الصهيوني في الضفة الغربية والقدس الشرقية لتغيير التركيبة السكانية بشكل غير مسبوق.

 

1. التهجير القسري: أرقام صادمة

 

وفقاً لتقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (أبريل 2026):

 

36,000 فلسطيني هُجّروا قسراً من منازلهم في الضفة الغربية والقدس الشرقية خلال عام واحد.

 

1,697 فلسطينياً هُجّروا فقط في الربع الأول من عام 2026 (يناير-مارس).

 

يتم التهجير في سياق عنف منظم من قبل المستوطنين، بدعم وتوجيه من السلطات الإسرائيلية، بحيث يصعب التمييز بين عنف الدولة وعنف المستوطنين.

 

2. الاستيطان: تسارع غير مسبوق

 

في خطوة وصفها المعارضون الإسرائيليون بأنها "جنون استيطاني"، صادقت حكومة الاحتلال في أبريل 2026 على بناء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية. التفاصيل:

8 مستوطنات ستبنى على أراضٍ مملوكة ملكية خاصة لفلسطينيين هُجّروا قسراً.

 

9 مستوطنات في شمال الضفة الغربية (منطقة السامرة) التي تضم حالياً 35 مستوطنة قائمة.

 

بلغ إجمالي المستوطنات التي تمت المصادقة عليها منذ عودة نتنياهو إلى السلطة (2022) 102 مستوطنة.

 

3. تحذير الأمم المتحدة من "التطهير العرقي"

 

حذر تقرير للأمم المتحدة: "يبدو أن التهجير في الضفة الغربية المحتلة، الذي يتزامن مع التهجير الواسع للفلسطينيين في غزة، يشير إلى سياسة إسرائيلية منسقة للنقل القسري الجماعي بهدف التهجير الدائم؛ وهذا يثير مخاوف بشأن التطهير العرقي". يذكر التقرير أن النقل غير القانوني للأشخاص المحميين يعتبر جريمة حرب بموجب اتفاقية جنيف الرابعة.

 

القسم الثالث: الكيان الصهيوني – التضعيف بعد العدوان على إيران

 

انتهى العدوان على إيران، الذي أُطلق عليه "حرب الـ 41 يوماً"، بوقف إطلاق النار في 8 أبريل 2026، لكن تداعياته على الكيان الصهيوني كانت قاسية ومتعددة الأوجه.

 

1. الفشل العسكري الاستراتيجي

 

لم يحقق الكيان الصهيوني أياً من أهدافه المعلنة:

 

لم يتم تدمير البرنامج النووي الإيراني.

 

لم تسقط طهران أو يتغير نظام إيران.

 

لم تتراجع المقاومة في لبنان وسوريا واليمن.

 

بل على العكس، أثبتت إيران قدرتها على الرد والهجوم المضاد، وكشفت نقاط الضعف في منظومة الدفاع الإسرائيلية. هذا الفشل الذريع حطم هيبة "الجيش الذي لا يُقهر" التي كانت لعقود أساس الردع للكيان الصهيوني.

 

2. خسائر بشرية ومادية فادحة

 

تشير الإحصائيات الموثقة حتى منتصف أبريل 2026 إلى:

 

أكثر من 5,000 مصاب في صفوف الجيش الإسرائيلي (بين قتيل وجريح).

 

تهجير 4,800 صهيوني من منازلهم في الشمال (منطقة الجليل الأعلى والمستوطنات المتاخمة للبنان).

 

تُقدر تكلفة العدوان بنحو 80 مليار شيكل (أكثر من 22 مليار دولار)، مما أدى إلى وصول عجز ميزانية الكيان إلى مستوى غير مسبوق.

 

انخفاض النمو الاقتصادي إلى 0.4% في الربع الأول من 2026، مع توقعات بالركود إذا استمرت الحرب.

 

3. تآكل الصورة العالمية للكيان الصهيوني

 

ربما الأكثر ضرراً على المدى الطويل هو تآكل المكانة الدولية للكيان الصهيوني. تتحدث تقارير الأمم المتحدة والهيئات الحقوقية اليوم علناً عن "التطهير العرقي" و"جرائم الحرب" دون تردد. حتى بعض وسائل الإعلام الغربية (مثل نيويورك تايمز، الغارديان) بدأت تنشر تحليلات ناقدة بشدة لسياسات إسرائيل.

 

هذا التغيير في الخطاب الإعلامي خطير جداً على إسرائيل، لأنه يعني أنها تفقد تدريجياً غطاءها الأخلاقي والدبلوماسي. إذا استمر هذا الاتجاه، فقد نشهد في السنوات القادمة مقاطعة دولية حقيقية للكيان الصهيوني تشبه مقاطعة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

 

4. كيف يخدم تضعيف إسرائيل القضية الفلسطينية؟

 

هذا التضعيف المتزايد لإسرائيل، وهو نتيجة العدوان على إيران والحروب السابقة، يخلق ظروفاً موضوعية يمكن أن تخدم القضية الفلسطينية على عدة مستويات:

 

أولاً: كسر هيبة الردع الإسرائيلي

لم يعد الجيش الإسرائيلي ذلك الجيش الذي لا يُقهر. هذا يعني أن المقاومة الفلسطينية لم تعد تخشى الرد الإسرائيلي بنفس الدرجة، مما قد يشجعها على تكثيف عملياتها النوعية.

 

ثانياً: استنزاف الاقتصاد الإسرائيلي

الاقتصاد الإسرائيلي تضرر بشدة. كلف العدوان على إيران أكثر من 22 مليار دولار، بالإضافة إلى تكاليف العدوان السابق على غزة. هذا الاستنزاف المالي يقلل من قدرة إسرائيل على تمويل الاستيطان والعمليات العسكرية الكبرى.

 

ثالثاً: أزمة الثقة داخل المجتمع الإسرائيلي

آلاف المستوطنين الذين هُجّروا من الشمال لم يعودوا بعد إلى منازلهم. هذا يخلق أزمة ثقة بين المواطنين وحكومتهم، وقد يؤدي إلى موجة هجرة عكسية من مستوطنات الضفة الغربية وهضبة الجولان، مما يضعف المشروع الاستيطاني برمته.

 

رابعاً: العزلة الدولية المتزايدة

ازدادت التقارير الدولية المنتقدة لإسرائيل، وأصبح الفيتو الأمريكي غير قادر على حماية إسرائيل من الإدانة كما في السابق. قد يتحول هذا العزل الدبلوماسي إلى مقاطعة اقتصادية وأكاديمية، مما يضعف إسرائيل أكثر.

 

القسم الرابع: إيران ودورها – حصن القضية الفلسطينية

 

لا يمكن فهم الوضع الراهن دون الاعتراف بالدور المحوري لإيران في دعم القضية الفلسطينية، خاصة في ظل العدوان الأخير.

 

1. دعم مالي ومعنوي مستمر

 

على الرغم من كونها هدفاً لعدوان غير مسبوق، واصلت إيران دعمها المالي والعسكري لفصائل المقاومة الفلسطينية. تشير تقارير استخباراتية غربية إلى أن إيران زودت المقاومة خلال العدوان بصواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيرة متطورة، مما ساعد في قدرة المقاومة على الرد على العدوان الإسرائيلي.

 

2. موقف مبدئي من القضية الفلسطينية

أكد قادة إيران، من المرشد الأعلى إلى الرئيس، مراراً وتكراراً أن فلسطين هي قضيتهم المركزية، وأن تحرير القدس ليس مجرد شعار بل هدف استراتيجي. هذا الموقف الثابت الذي دفع ثمنه الاقتصاد الإيراني بعقوبات قاسية، يضع إيران في زمرة الدول القليلة التي تفضل فلسطين على مصالحها الضيقة.

 

3. صمود إيران = أمل للمقاومة

 

أثبت العدوان أن إيران قادرة على الصمود في وجه عدوان أمريكي إسرائيلي مشترك. هذا الصمود يشكل سداً منيعاً أمام المشروع الصهيوني في المنطقة، ويؤمن ظهر جبهة المقاومة الفلسطينية. أي ضعف يصيب إيران سينعكس سلباً على غزة والضفة الغربية، وأي قوة تكتسبها ستنعكس إيجاباً.

 

القسم الخامس: ما بعد العدوان – آفاق القضية الفلسطينية

 

1. السيناريو المتفائل (الأكثر ترجيحاً)

 

إذا استمر تضعيف إسرائيل وتزايد عزلتها الدولية، وإذا بقيت إيران على صمودها وواصلت دعم المقاومة، فقد نشهد:

 

تصعيداً نوعياً للمقاومة في الضفة الغربية وغزة مستغلة انشغال الجيش الإسرائيلي بجبهات أخرى.

 

تباطؤاً في وتيرة الاستيطان بسبب الضغوط الاقتصادية والدولية.

 

حركة عربية أكثر جدية تجاه فلسطين، بعد أن ثبت أن إسرائيل "حصان راهن" غير موثوق.

 

2. العوامل المؤثرة في المرحلة القادمة

 

ستحدد عدة عوامل مسار القضية الفلسطينية في الأشهر القادمة:

 

نجاح المقاومة في تحقيق الوحدة الداخلية وتجاوز خلافات السلطة والفصائل.

 

الموقف الرسمي العربي من التطبيع مع إسرائيل بعد العدوان على إيران. تشير بعض التقارير إلى تراجع اهتمام السعودية بالتطبيع واشتراطها قيام دولة فلسطينية.

 

قدرة إسرائيل على التعافي اقتصادياً وعسكرياً من تداعيات العدوان.

 

3. الدور المطلوب من العرب

 

هنا يأتي دور الأنظمة العربية. بعد أن ثبت أن إسرائيل هي "أصل الشر" في المنطقة، وأن الرهان على التطبيع لم يجلِب سوى المزيد من التوتر، فقد حان الوقت للعرب أن:

 

يدعموا المقاومة الفلسطينية مالياً وسياسياً، بدلاً من محاصرتها.

 

يوقفوا التطبيع مع كيان ثبت أنه لا يفكر إلا في مصالحه الخاصة.

 

يستثمروا في إعادة إعمار غزة دون شروط سياسية تعجيزية.

 

يبنوا تحالفاً إقليمياً مع إيران وتركيا لمواجهة المشروع الصهيوني.

 

المطلوب ليس تملقاً ولا رياء، بل موقف جاد من الذات العربية التي تهمش أهم قضية للأمة.

 

الاستنتاج: تضعيف إسرائيل – بارقة أمل يجب استغلالها

 

النتيجة التي يمكن استخلاصها من هذا التقرير هي أن الكيان الصهيوني يمر بمرحلة من الضعف غير المسبوق، ناتجة عن عدة عوامل متراكمة: الفشل في العدوان على إيران، والاستنزاف الاقتصادي، وتآكل الصورة الدولية، وتصاعد المقاومة على عدة جبهات.

 

هذا الضعف، إذا تم استغلاله بشكل صحيح من قبل المقاومة الفلسطينية والدول العربية وإيران، يمكن أن يتحول إلى بارقة أمل لتحسين وضع الفلسطينيين، بل قد يكون بداية نهاية مشروع الاستيطان في الضفة الغربية وغزة.

 

لكن هذا يتطلب:

 

وحدة الصف الفلسطيني (السلطة والمقاومة) خلف برنامج وطني واضح.

 

دعماً عربياً حقيقياً لفلسطين، وليس مجرد تصريحات إعلامية.

 

استمرار صمود إيران ودعمها للمقاومة رغم كل الضغوط.

 

لا تزال فلسطين قضية، ولا يزال الأمل حياً. لكن الأمل وحده لا يكفي؛ بل يحتاج إلى إرادة، ودماء، ومواقف لا تتزعزع. لقد أثبتت إيران أنها تمتلك هذه الإرادة. فهل سيدرك العرب ذلك قبل فوات الأوان؟

_____

*مندوب حركة الجهاد الإسلامي لدي طهران


| رمز الموضوع: 416635